عندما يتحول المال والمنصب والاسم إلى وسيلة لإهانة العامل البسيط.. مصر ليست دولة سادة وعبيد
بقلم: الدكتور إبراهيم سالم المغربي
الأمين العام للمنظمة المصرية للسلام والأمن الاجتماعي والتنمية
ما حدث اليوم عند بوابة نادي نيو جيزة، وفق ما تم تداوله بشأن مشادة بين إحدى السيدات وأحد أفراد الأمن وما تردد عن تعرضه للسب والقذف أثناء قيامه بعمله، ليس مجرد خلاف عابر على بوابة نادٍ.
إن صحت تفاصيل الواقعة، فهي تضع أمامنا قضية أكبر بكثير من الأشخاص: قضية احترام العامل البسيط عندما يقف أمام شخص يعتقد أن مكانته الاجتماعية أو منصب زوجها أو عائلتها يمنحها حق تجاوز الآخرين وإهانتهم.
وأقولها صراحة ودون مواربة:
رجل الأمن ليس الحلقة الأضعف.
وليس لأنه يرتدي زيًا بسيطًا، أو يقف على بوابة، أو يحصل على راتب محدود، يصبح من حق أي شخص أن يسبه أو يقذفه أو يهينه.
إلى أصحاب النفوذ: هذه ليست مملكة خاصة
هناك ثقافة خطيرة بدأت تتسلل إلى بعض الأماكن المغلقة على أصحابها، من أندية وكومباوندات ومنشآت خاصة، تقوم على فكرة أن صاحب المال أو النفوذ يستطيع أن يتجاوز التعليمات، وأن الموظف أو رجل الأمن عليه أن يصمت.
والأخطر أن بعض المواقف تبدأ بجملة أصبحت للأسف مألوفة:
«أنت عارف بتكلم مين؟»
وأحيانًا:
«متعرفش بنت مين في مصر؟»
وهنا يجب أن يكون الرد واضحًا:
لا يهم من تكون، ولا من يكون والدك، ولا من يكون زوجك، ولا كم تملك، ولا أين تسكن.
المهم أنك أمام إنسان يؤدي عمله، والمهم أن القانون يسري على الجميع.
رجل الأمن يطبق التعليمات.. وليس عبدًا على البوابة
رجل الأمن الذي يقف أمام بوابة النادي أو الكومباوند لا يضع القواعد من عنده.
هو ينفذ تعليمات المكان.
إذا أخطأ، فهناك إدارة يمكن الرجوع إليها، وهناك شكوى يمكن تقديمها، وهناك قانون يمكن الاحتكام إليه.
أما تحويل الاعتراض إلى سب وقذف أو تهديد أو استعلاء، فهذا ليس حقًا لأي إنسان مهما كانت صفته.
الاختلاف لا يعطيك حق الإهانة.
والمال لا يعطيك حق الإهانة.
والمنصب لا يعطيك حق الإهانة.
والجنسية لا تعطيك حق الإهانة.
والاسم الكبير لا يعطيك حق الإهانة.
أين ذهبت الطبقة الوسطى؟
ربما يكون جزء من تفسير هذه الظاهرة مرتبطًا بالتغيرات العميقة التي أصابت التركيبة الاجتماعية.
كانت الطبقة الوسطى لسنوات طويلة تمثل منطقة التوازن بين مختلف شرائح المجتمع؛ يتجاور فيها الطبيب والموظف والعامل وصاحب المشروع، ويتعامل الجميع داخل مساحة اجتماعية واحدة.
لكن مع اتساع الفوارق الاقتصادية وتراجع الدور الاجتماعي للطبقة الوسطى، أصبح المشهد أكثر حدة.
ظهرت طبقات شديدة الثراء، وظهر معها في بعض الحالات نمط من محدثي الثراء أو «النوفو ريتش» الذين يحاولون إثبات مكانتهم بالسيارة والمكان والملابس والمظاهر، وكأن امتلاك المال يمنح صاحبه رتبة أعلى في سلم الإنسانية.
وهنا تكمن الكارثة.
الثراء ليس عيبًا، ولكن احتقار الفقير عيب.
والعيش في كومباوند راقٍ ليس جريمة، ولكن الاعتقاد بأن العامل الذي يقف على بوابته أقل إنسانية من ساكنه هو الجريمة الأخلاقية الحقيقية.
من السادة والعبيد إلى «الهاي كلاس» و«الغلابة»؟
لا أريد أن أكون مبالغًا، لكن تكرار هذه المواقف بصورة يومية قد يعيد إنتاج علاقة اجتماعية شديدة الخطورة:
طرف يملك المال والنفوذ.
وطرف لا يملك إلا قوة عمله.
الأول يأمر.
والثاني يصمت خوفًا على رزقه.
الأول يهدد.
والثاني يقول: «معلش».
الأول يهين.
والثاني يبتلع الإهانة حتى لا يفقد وظيفته.
هذه ليست دولة قانون.
هذه بداية خلل اجتماعي يجب أن نتوقف أمامه قبل أن يتحول إلى احتقان مكتوم.
فالمواطن المطحون قد يتحمل إهانة اليوم، والثانية غدًا، والثالثة بعد شهر، لكنه في النهاية إنسان له كرامة وحدود.
ولا ينبغي أن ننتظر حتى يتحول الإحساس المتراكم بالظلم إلى أزمة اجتماعية.
لا تحموا أصحاب النفوذ من القانون
رسالتي إلى كل من يملك نفوذًا أو مالًا أو اسمًا:
لا تستخدموا نفوذكم ضد إنسان أضعف منكم.
القوة الحقيقية ليست في أن تجعل رجل الأمن يخاف منك.
القوة الحقيقية أن تستطيع الاختلاف معه دون إهانته.
والقوة الحقيقية أن تحترم العامل الذي لا يستطيع الرد عليك.
والقوة الحقيقية أن تقول: «أنا مخطئ» إذا كنت مخطئًا.
أما استدعاء الاسم والمنصب والعلاقات في كل خلاف، فليس قوة، وإنما دليل على أزمة في مفهوم المواطنة.
وأقول للدولة: لا تتركوا هذه الظاهرة تتسع
نحن بحاجة إلى وقفة جادة.
ليس المطلوب التشهير بأحد، ولا تحويل كل مشادة إلى قضية رأي عام، وإنما المطلوب سيادة القانون.
نحتاج إلى دراسة هذه الظاهرة اجتماعيًا ونفسيًا وأمنيًا، وإلى وضع قواعد واضحة لحماية العاملين في الأمن والخدمات من الإهانة والاعتداء أثناء أداء عملهم.
كما يجب أن تكون هناك إجراءات واضحة داخل الأندية والكومباوندات والمنشآت الخاصة لتوثيق الوقائع والتحقيق فيها، مع إحالة الجرائم التي تستوجب ذلك إلى الجهات المختصة.
والأهم:
أن تكون العقوبة مرتبطة بالفعل وليس بالفاعل.
لا تسألوا عن اسم أبيه.
ولا عن منصبه.
ولا عن ثروته.
ولا عن جنسيته.
ولا عن علاقاته.
اسألوا فقط:
ماذا حدث؟ ومن أخطأ؟
«أنت عارف بتكلم مين؟».. نعم، نعرف
نعرف أنك مواطن.
ونعرف أنه مواطن.
نعرف أن لك حقوقًا.
ونعرف أن له حقوقًا.
ونعرف أن لك كرامة.
ونعرف أن له كرامة.
لكننا نعرف شيئًا أهم:
أن فوق الجميع قانونًا واحدًا.
وأقولها لكل صاحب نفوذ:
لا تجعلوا من اسمكم سيفًا على رقاب البسطاء.
ولكل رجل أمن وعامل وموظف يقف على بوابة أو خلف مكتب أو في مطعم أو كافيه:
أنت لا تؤدي عملًا مهينًا.. أنت تؤدي عملًا شريفًا، ومن حقك أن تعود إلى بيتك محتفظًا بكرامتك.
إن مصر التي نريدها ليست مصر «السادة» في مواجهة «العبيد».
وليست مصر من يعرف ومن لا يعرف.
وليست مصر «ابن مين» و«زوج مين» و«يملك كام».
مصر دولة قانون.. والمواطن فيها مواطن، أيًا كان دخله أو اسمه أو منصبه.
وإذا أردنا الحفاظ على السلام الاجتماعي، فعلينا أن نبدأ من أبسط قاعدة:
لا تهين إنسانًا لأنه أضعف منك.
فربما يكون أضعف منك في المال، لكنه أقوى منك في الأخلاق.
وربما يكون أقل منك في المكانة، لكنه أكثر منك احترامًا للناس.
وفي النهاية، لا يبقى للإنسان لا كومباوند ولا سيارة ولا منصب ولا لقب.
الذي يبقى هو أثره في الناس.. واحترامه للإنسان.
الدكتور إبراهيم سالم المغربي
الأمين العام للمنظمة المصرية للسلام والأمن الاجتماعي والتنمية